فخر الدين الرازي

321

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ثم ذلك إما أن يحمل على خير معين ، أو على جميع الخيرات أما الأول : فيحتمل وجوها أحدها : قال السدي : كانت قريش يقولون لمن مات الذكور من أولاده بتر ، فلما مات ابنه القاسم وعبد اللّه بمكة وإبراهيم بالمدينة قالوا : بتر فليس له من يقوم مقامه ، ثم إنه تعالى بين أن عدوه هو الموصوف بهذه الصفة ، فإنا نرى أن نسل أولئك الكفرة قد انقطع ، ونسله عليه الصلاة والسلام كل يوم يزداد وينمو وهكذا يكون إلى قيام القيامة وثانيها : قال الحسن : عنوا بكونه أبتر أنه ينقطع عن المقصود قبل بلوغه ، واللّه تعالى بين أن خصمه هو الذي يكون كذلك ، فإنهم صاروا مدبرين مغلوبين مقهورين ، وصارت رايات الإسلام عالية ، وأهل الشرق والغرب لها متواضعة وثالثها : زعموا أنه أبتر لأنه ليس له ناصر ومعين ، وقد كذبوا لأن اللّه تعالى هو مولاه ، وجبريل وصالح المؤمنين ، وأما الكفرة فلم يبق لهم ناصر ولا حبيب ورابعها : الأبتر هو الحقير الذليل ، روي أن أبا جهل اتخذ ضيافة لقوم ، ثم إنه وصف رسول اللّه بهذا الوصف ، ثم قال : قوموا حتى نذهب إلى محمد وأصارعه وأجعله ذليلا حقيرا ، فلما وصلوا إلى دار خديجة وتوافقوا على ذلك أخرجت خديجة بساطا ، فلما تصارعا جعل أبو جهل يجتهد في أن يصرعه ، وبقي النبي عليه الصلاة والسلام واقفا كالجبل ، ثم بعد ذلك رماه النبي صلى اللّه عليه وسلم على أقبح وجه ، فلما رجع أخذه باليد اليسرى ، لأن اليسرى للاستنجاء ، فكان نجسا فصرعه على الأرض مرة أخرى ووضع قدمه على صدره ، فذكر بعض القصاص أن المراد من قوله : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ هذه الواقعة وخامسها : أن الكفرة لما وصفوه بهذا الوصف ، قيل : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ / الْأَبْتَرُ أي الذي قالوه فيك كلام فاسد يضمحل ويفنى ، وأما المدح الذي ذكرناه فيك ، فإنه باق على وجه الدهر وسادسها : أن رجلا قام إلى الحسن بن علي عليهما السلام ، وقال : سودت وجوه المؤمنين بأن تركت الإمامة لمعاوية ، فقال : لا تؤذيني يرحمك اللّه ، فإن رسول اللّه رأى بني أمية في المنام يصعدون منبره رجلا فرجلا فساءه ذلك ، فأنزل اللّه تعالى : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فكان ملك بني أمية كذلك ، ثم انقطعوا وصاروا مبتورين . المسألة الثالثة : الكفار لما شتموه ، فهو تعالى أجاب عنه من غير واسطة فقال : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ وهكذا سنة الأحباب ، فإن الحبيب إذا سمع من يشتم حبيبه تولى بنفسه جوابه ، فههنا تولى الحق سبحانه جوابهم ، وذكر مثل ذلك في مواضع حين قالوا : هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [ سبأ : 7 ، 8 ] فقال سبحانه : بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ [ سبأ : 8 ] وحين قالوا : هو مجنون أقسم ثلاثا ، ثم قال : ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [ القلم : 2 ] ولما قالوا : لَسْتَ مُرْسَلًا [ الرعد : 43 ] أجاب فقال : يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [ يس : 1 - 3 ] وحين قالوا : أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ [ الصافات : 36 ] رد عليهم وقال : بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ [ الصافات : 37 ] فصدقه ، ثم ذكر وعيد خصمائه ، وقال : إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ [ الصافات : 38 ] وحين قال حاكيا : أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ [ الطور : 30 ] قال : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ [ يس : 69 ] ولما حكى عنهم قوله : إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ [ الفرقان : 4 ] سماهم كاذبين بقوله : فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً [ الفرقان : 4 ] ولما قالوا : ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان : 7 ] أجابهم فقال : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان : 20 ] فما أجل هذه الكرامة .